الفيض الكاشاني

54

أنوار الحكمة

ويجب أن يكون جميع ذلك واحدا حقيقيّا ، لامتناع تعدّد الغنيّ بالذات ؛ فهو اللّه سبحانه كما قيل « 1 » : « وجود كلّه ، وجوب كلّه ، علم كلّه ، قدرة كلّه ، حياة كلّه ؛ لا أنّ شيئا منه علم ، وشيئا آخر قدرة - ليلزم التركيب في ذاته - ولا أنّ شيئا منه علم وشيئا آخر منه قدرة « 2 » ، ليلزم التكثّر في صفاته الحقيقيّة - » . يعنى أنّ ذاته بذاته - من حيث هو هو ، مع كمال فرديّته - منشأ لهذه الصفات ، ومستحقّ لهذه الأسماء ؛ لا بحيثيّة أخرى وراء حيثيّة ذاته . وليس هو لأجل اتّصافه بها ذا معان متميّزة ، متخصّصة بأسماء متعدّدة ؛ بل كما أنّا نقول لكلّ واحد من موجودات العالم : « إنّه معلومه ، ومقدوره ، ومراده » من غير أن نثبت فيه معان شتّى : فكذلك نصف موجده بالعلم والجود والإرادة ، مع كونه أحديّا فردا ، بل كلّ صفة من صفاته عين صفته الأخرى وجودا ، وما ندركه بصفة ، يدركه بجميع الصفات ، إذ لا اختلاف هناك . ونعم ما قيل : عباراتنا شتّى وحسنك واحد * وكلّ إلى ذاك الجمال يشير « 3 »

--> ( 1 ) نسبه صدر المتألهين - قدّس سرّه - في الأسفار ( 6 / 121 ) إلى الفارابي ، ولم أعثر على النص فيما عندي من كتبه ، والأظهر أن المؤلف حكاه عنه اعتمادا على ما أورده استاده - قدس سرهما - ولعل ما أورده صدرا أيضا نقل بالمعنى . ( 2 ) ر : ولا أن شيئا فيه علم وشيئا آخر فيه قدرة . ( 3 ) في هامش النسختين : في نهج البلاغة [ الخطبة الأولى ] عن مولانا أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال : « أول الدين معرفته ، وكمال معرفته التصديق به ، وكمال التصديق به توحيده ، وكمال توحيده الإخلاص له ، وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه ؛ لشهادة كلّ صفة أنّها غير الموصوف ، وشهادة كلّ موصوف أنّه غير الصفة ؛ فمن وصف اللّه - سبحانه - فقد قرنه ، ومن قرنه فقد ثنّاه ، ومن ثنّاه فقد جزّأه ، ومن جزّأه فقد جهله [ ومن جهله فقد أشار إليه ] ومن أشار إليه فقد حدّه ، ومن حدّه فقد عدّه ؛ ومن قال : « فيم » فقد ضمّنه ، ومن قال : « علام » فقد أخلى منه . كائن لا عن حدث ، موجود لا عن عدم ؛ مع كلّ شيء لا بمقارنة وغير كلّ شيء لا بمزايلة ؛ فاعل لا بمعنى الحركات والآلة ، بصير إذ لا منظور إليه من خلقه ، متوحّد إذ لا سكن يستأنس به ولا يستوحش لفقده . أنشأ الخلق إنشاء ، وابتداء ( ر : وابتدأها ) ابتداء ، بلا رويّة أجالها ، ولا تجربة استفادها ، -